علي بن محمد البغدادي الماوردي
339
أدب الدنيا والدين
المساعد والمظافر فإنما ذلك تعاون ائتلاف يتكافئون فيه ولا يتفاضلون وربما كان المستعين فيه مفضلا والمعين مستفضلا كاستعانة السلطان بجنده والمزارع بأكرته « 1 » فليس من هذا بدّ ولا لأحد عنه غنى وإنما الذي يتصوّن عنه الكرام تعاون التفضيل فينقبضون عن أن يستعينوا لئلا يكون عليهم يد ويسارعون أن يعينوا لأن يكون لهم يد ومن أقدم من غير اضطرار على الاستعانة بجاه أو بمال فقد أوهى مروءته واستبذل صيانته ومن دعاه الإضرار لنائب ألم أو حادث هجم إلى الاستعانة بمن يتنفس به من خناق كربه ويتخلص به من وثاق نوائبه فلا لوم على مضطر فإن أغنته الاستعانة بالجاه عن الاستعانة بالمال فلا عذر له في التعرّض للمال ويعدل إلى ولاة الأمور فإن الحوائج عندهم أنجح وهي عليهم أسهل وهم لذلك مندوبون فهم لا يجدون لهم مساويا وليصبرنّ على ابطائهم فإن تراكم الأمور عليهم يشغلهم الا عن الملح الصبور ولذلك قيل : قدّم لحاجتك بعض لجاجتك . وقال أبو سارة سحيم بن الأعرف : تعدّ قرابة وتعدّ صهرا * ويسعد بالقرابة من رعاها وما زرناك من عدم ولكن * يهش إلى الإمارة من رجاها وأيا ما فعلت فإن نفسي * تعدّ صلاح نفسك من غناها فإن تعذر عليه صلاح حاله إلّا بمال يستعين به على نوائبه كان له مع الضرورة فسحة لكن ان وجده قرضا مردودا لم يأخذ صلة وجودا فإن القرض مستسمح به في المروءات . هذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مع ما أعلى اللّه من قدره وفضله على خلقه قد اقترض ثم قضى فأحسن وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « من أعياه رزق اللّه تعالى حلالا فليستدن على اللّه وعلى رسوله » وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « المستدين تاجر اللّه في أرضه » . وقال البحتري : إن لم يكن كثر فقلّ عطية * يبلغ بها باغي الرضا بعض الرضا أو لم يكن هبة فقرض يسرت * أسبابه وكواهب من أقرضا
--> ( 1 ) بأكرته : جمع أكار الحراث وزنا ومعنى .